ابن حزم
514
الاحكام
وهكذا كل مسلم ممن أسلم ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم من جميع جزيرة العرب ، كبلاد اليمن ، والبحرين ، وعمان والطائف ، وبلاد مصر وقضاعة ، وسائر ربيعة وجبلي طيئ والنجاشي . فكل من لم يلق منهم النبي صلى الله عليه وسلم فهو من التابعين ، فلم يزل التابعون يموت منهم الواحد والاثنان والعشرات والمئون والآلاف من قبل الهجرة بسنة وشهرين إلى أن مات آخرهم في حدود ثمانين ومائة من الهجرة ، كخلف بن خليفة الذي رأى عمرو بن حريث ، وكمن ذكر عنه أنه رأى أنس بن مالك رضي الله عنه ، فمن هذا الواهي دماغه الذي يتعاطى مراعاة انقراض أهل عصر ، مقدار مائة عام وثلاثة أعوام ، ثم عصر آخر مقدار مائة سنة وثمانين سنة ، ويضبط أنفاسهم وإجماعهم ، هل اختلفوا بعد ذلك أم لا ؟ فكيف أن يوجب ذلك على الناس لا سيما وأهل ذينك العصرين متداخلان مضى كثير من أهل العصر الثاني ، قبل انقراض العصر الأول بدهر طويل أكثر من مائة عام ، وقد أفتى جمهورهم من الصحابة كعلقمة ومسروق وشريح وسليمان وربيعة وغيرهم ماتوا في عصر الصحابة . وهكذا تتداخل الاعصار إلى يوم القيامة . وقد اعترض بعضهم في هذا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : خيركم القرن الذي بعثت فيه ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فقلت : بين الامرين فرق كما بين النور والظلمة لان الذي تباينت به الاعصار المذكورة ، هو شفوف في الفضل لا يلحقه الآخرون ، معروف لمن تأخر من قرن الصحابة على من تقدم من قرن التابعين . وليس كذلك جواز الفتيا ، لأنه إن لم تجز الفتيا لتابع حتى ينقرض عصر الصحابة ، لم تجز فتيا من ذكرنا ممن مات من التابعين في عصر الصحابة ، وهذا باطل ، أو يقولون إنه يراعي انقراض عصر التابعين مع عصر الصحابة معا ، ففي هذا مراعاة كل عصر إلى يوم القيامة مع عصر الصحابة لتداخل الاعصار ، وهذا محال والذي يدخل هذا القول من الجنون أكثر من هذا ، لأنه يجب على قولهم أنه إذا لم يبق من الصحابة إلا أنس وحده ، فإنه كان له ولغيره من